حسن حنفي

34

من العقيدة إلى الثورة

الدول أو تجنيد الجماهير وتوجيه الأمم وفتح البلدان ؟ « 57 » . الا يمكن العقل قيادة المجتمعات مثل قيادة الامام لها ؟ هناك أيضا العقل الاجتماعي والعقل السياسي والعقل التاريخي لوضع القوانين وسن الشرائع . صحيح أن النبوة تحتوى على تشريع ولكنها توجيهات عامة في حاجة إلى تفصيلات واستنتاجات من العقل والواقع ، من واقع المجتمع واستقراء حوادث التاريخ . صحيح أن النبوة تحتوى على بعض التوجيهات الخلقية والارشادات العملية ولكن لا تكفى الدعوة إلى المحبة والتعاون أن تكون أساسا لتكوين المجتمع الانساني . وهل النبوة في نهاية الامر نظرية في التأليف الاجتماعي أم في الصراع الاجتماعي ؟ هل وظيفة النبوة حل الصراع الاجتماعي أم حسمه ؟ ايقافه أم حله ؟ ان المجتمع في حاجة لفهم تركيبه وقوانين حركته وصراعه إلى أكثر من المحبة والعدل والمبادئ العامة والقيم النظرية . صحيح أن الحاجة إلى التعاون وتأسيس المجتمعات وإقامة الدول تكشف عن الأساس الاجتماعي للوحي وعن البعد الافقى له كما تكشف المعارف النظرية عن البعد الرأسى فيه ولكن لا يعنى ذلك أن الانسان قاصر عن ادراك الحقائق الاجتماعية وعاجز عن توجيه الأمور العملية ، وتأسيس الدول وتدبير الملك . أن علوم السياسة والاجتماع والقانون والتاريخ أيضا من وضع الانسان مثل باقي العلوم العقلية والتجريبية . ولما ذا تهدم القوانين الانسانية وتبين مفاسدها وعيوبها من أجل اثبات وجوب الشرائع النبوية ؟ ألا تثبت النبوة الا على أنقاض البشرية ؟ ان تغير القوانين البشرية ليس عيب بل تطور واجتهاد كما هو الحال في الفقه . وان اختلاف الطبائع والشعوب وارد في القوانين البشرية والشرائع الإلهية على حد سواء « 58 » . وان هذا التضارب بين

--> ( 57 ) هذا هو المسلك الثاني في بيان الحاجة إلى الرسالة من طبيعة الانسان نفسه عند محمد عبده ، الرسالة ص 96 - 103 . ( 58 ) وذلك واضح في القرآن الكريم في عدة آيات مثل وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ( 49 : 13 ) ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ( 5 : 48 ) ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ( 5 : 48 ، 16 : 93 ، 42 : 8 ) .